RSS

Tag Archives: غريب

حكايتنا 13 :: غربة … كركر

يولد الإنسان على وجه هذه الأرض لا حول له ولا قوة لا يستطيع أن يسمي نفسه ولا أن يختار لون بشرته ولا أن يحدد طوله ولا يشكل شعره ولا مكان إقامته ولا حتى ديانته ولا اللغة التي ينطق بها ولا المجتمع الذي يعيش به فالأسرة لها دور كبير في تحديد كثيراً مما سبق سواءاً من النواحي الوراثية أو المعيشية ولها دورٌ كبير في تحديد نمط السلوك وطريقته واللغة وحتى الدين كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)[ورد في الصحيحين]، فنشأة الإنسان والمراحل الأولى من عمره تؤثر سلباً أو إيجاباً في سلوكياته فيما بعد وبعد البلوغ ومحاولة شق طريقه في الحياة من الناحية العلمية والعملية بمعنى آخر الإنفصال عن العائلة ومحاولة تكوين الشخصية الخاصة لكل انسان تتأثر بعوامل كثيرة منها طبيعة العلم أو العمل قريباً من الأهل أو بعيداً عنهم ترسم الملامح المستقبلية لشخصية الإنسان.

كلما كانت هذه الظروف قريبة من الأسرة كان ذوبان الشخصية وإضمحلالها كون الانسان يعيش في نفس الدائرة أو المجال وكلما بعد عن الأسرة كلما بدت ملامح الشخصية بالتكوين وتميزها عن البيئة المحيطة بها أسرياً وهذه المرحلة من مراحل الحياة تؤثر سلباً أو إيجابياً في شخصية الإنسان وسلوكه مستقبلاً وكلما كان بعيداً كلما كان أقدر على إتخاذ القرار والحرية في الحركة والصمود في وجه التحديات التي تواجه مستقبله في حياته الأسرية عندما يشكل أسرة جديدة.

قريب ام بعيد

كما هو معلوم إذا واجهت الإنسان أي مشكلة إذا كان داخل الأسرة الكبيرة فيكون دور الأب فيه طاغياً في حل هذه المشكلة أما إذا كان بعيداً عن الأسرة فيكون الانسان هو شخصياً الذي يقوم بحل تلك المشكلة وقد يصيب وقد يخطأ كون تجاربه قليلة في الحياة. قد يضطر الإنسان في لحظة ما إلى الإغتراب عن الأهل طلباً للعلم أو العمل وهذا يحتم عليه مواجهة تحديات كثيرة وقد تطول هذه الغربة أو تقصر تبعاً للمعطيات التي من أجلها كانت الغربة وقد تكون غربة العلم التي قد لا تصل إلى عشرة سنوات وكذلك غربة العمل أما إذا ما اجتمعت غربة العلم والعمل فقد تصل إلى عشرات السنين وربما طوال العمر وهذه مربوطة بظروف كثيرة قد تكون أحياناً مادية أو قانونية أو غير ذلك طوعية أو إجبارية وهناك غربة أخرى غربة مصيرية قد تكون خارجة عن إرادة المرء نتيجة لظروف مختلفة.

حسنات ام سيئات

للغربة سيئات وحسنات وسيئاتها أكثر من حسناتها فمهما كانت المغريات المادية فهي لا تساوي إلا النزر اليسير من المزايا التي يحظى بها الإنسان وهو على تراب وطنه فكما قيل في المثل الشعبي (الغربة كربة).قد يتبادر إلى ذهن الانسان وخاصة إذا لم يذق طعم مرارة الغربة أن عيشة المغترب في نعيم دائم ولا يحس بهذا الشعور ونار الغربة إلا من اكتوى بها.

طبيعة الحياة المدنية في الوقت في الوقت الراهن يبدو انه لا يوجد فرق بين الإقامة في بلد دون آخر ولكن في  الممارسة العملية يوجد فرق كبير بين وجودك في وطنك أو وجودك في بلد الإغتراب أحياناً قد تفضل نار الغربة على نعيم الإقامة في الوطن وهذه المرحلة مؤقته وليست دائمة ديمومة الحياة و(لا كرامة لنبي في وطنه) أما في حالتنا والتي نعتبرها حالة إستثنائية كوننا ولدنا في ظل إحتلال فالوضع مختلف تماماً والأسباب والمسببات عديدة.

استغلال وكركر

فبالرجوع إلى الوضع القائم في الضفة الغربية منذ عام 1967 م مع وجود الإحتلال وتعطل تسجيل الأراضي والعقارات وبقائه على وضعه كما كان في عهد الحكومة الأردنية فأصبح يمثل مأزقاً حقيقياً لمن هم خارج الوطن فالموجود في أرض الوطن بحق إقامته هناك أصبح واضعاً يده على جميع الأراضي والعقارات ومما زاد في الطين بلة أن معظم هذه الأراضي كانت مسجلة بأسماء الآباء والأجداد بصورة غير نهائية قبل عام 1967م والمقيم في الضفة الغربية أصبح يستثمر جميع تلك الأراضي وبالتسعينيات من القرن الماضي أصبحت تظهر بشكل جلي هذه المشكلة كون أصبح هناك  فرصة للمغتربين ببيع أو استثمار حصصهم في تلك الأراضي وقد لمست هذا أنا شخصياً وسمعته بأذني أن المغتربين يأتون إلى الضفة و(الكركر) بأيديهم فكما هو معلوم أن ظروف الانسان تتغير بتغير المكان والزمان ولا يمكن أن تبقى على حال واحدة.

عجبا

المغترب سابقاً مطلوب منه أن يدعم صمود الأهل وأن يبقى كالبقرة الحلوب وعندما يطالب بحقه في الميراث وأصبح كمن يرتكب جريمة في حق الإنسانية ولديهم تصور أن المغترب في حال حصوله على هذا الحق سواءاً كان إرثاً أو شراءاً فهو حتمي الدلالة على أنه سيبيع هذا الحق ومن هنا تبدأ المشاكل والجحود والنكران وتطبيق مقولة (محمد يرث ومحمد لا يرث) فما دام المغترب يغدق بالهدايا والعطايا ويساعد هذا ويساعد ذاك ولا يطالب بحقه فهو إنسان نبيل أما إذا طالب بحقه حتى على الورق فهو زنديق ومارق على جميع الشرائع السماوية وتنبري لك ألسنة سليطة ترميك بكل تهمة وتلصقها بك علماً بأن هذا الأمر لا يعنيهم من بعيد ولا قريب لا أعرف بالتحديد أسباب هذه التصرفات ولا الأهداف ولا الأغراض التي تقف وراء مثل هذه التصرفات سواءاً من الأهل أو شيعهم قد يكون الإحتلال والطمع وعدم المعرفة بأمور الدين وطول الأمل وراء هذه التصرفات فمن يقيم في أرض الوطن يحق له أن يبني لأولاده على أرض أخيه ويجب على المغترب أن يساعده على زواج أبنائه وأن يبقيه على حياة كريمة وهذا من واجب الحلال والمفروض أن المغترب حرام عليه أن يأخذ حصته أو يأخذ أرضه التي إشتراها ويستثمر فيهما له أو لأبنائه فعلا أجد منطقاً اعوجا أن تحلل لنفسك وتحرم على غيرك فاستثمارك لتلك الأراضي لعشرات السنين حلال لك وحرام على أخيك أن يبني بيتاً صغيراً لأسرته هذا ان بقيت له أرضاً داخل التنظيم ولا أعلم شريعة على وجه الأرض تجيز مثل هذه التصرفات إلا شريعة الغاب التي تفرض منطق القوة فقط.

الطامة الكبرى

وحتى يأخذ المغترب حقه يجب أن يكون شريراً ويأخذ حقه بالقوة وإلا ضاع وضاع حقه والطريق الآخر وهو اللجوء إلى المحاكم التي قد تستمر سنوات ويدفع فيها أكثر من حقه كي يحصل على حصته من الميراث  فالمقيم له كل الحق في الإستثمار والمغترب ليس له حق كونه خارج أرض الوطن وحرام عليه أن يستفيد من هذا الحق. اغرب ما لمسناه ان تحس انك غريب بين اهلك اثناء وجودنا في ارض الوطن عشنا اياما وليالي في غربة ولم نلمس ممن حولنا ادنى درجات الأخوة او البنوة او القرابة وهذا يعتبر جزأ لا يتجزأ من المعاناة التي عشناها.

اما العجب العجاب فهو الأحساس بأنك غريب في وطنك فتلك هي الطامة الكبرى.

والله المستعان.

ÇáÕÍíÍíä

 
التعليقات على حكايتنا 13 :: غربة … كركر مغلقة

نشر بواسطة: في 25/05/2012 بوصة الرئيسية, حكايتنا

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , ,